أخبار عاجلةمصر

مصر .. “موائد الرحمن”.. عادة رمضانية تحكي تاريخا من التكافل الاجتماعي ووحدة النسيج

 

تحكي موائد الرحمن في مصر، أحد أبرز الظواهر الاجتماعية التي اقترنت بشهر رمضان، تاريخا من التكافل الاجتماعي ووحدة النسيج الذي تميز به المصريون على مدار عقود وسنوات حيث تكشف تلك الموائد علاقة ترابط ومشاركة بين أطياف الشعب المصري فلا فرق بين مسلم أو مسيحي.
واختلف المؤرخون والباحثون حول بداية موائد الرحمن في مصر لكنهم اتفقوا على أن هذه الظاهرة المرتبطة بشهر رمضان أخذت مراحل عديدة حتى تشكلت بهذه الصورة ومن خلال تتبع ذلك نجد أن الدولة شاركت فيها وحثت المجتمع والأفراد على إقامتها والاهتمام بها، ثم نجد محاولات الأفراد الذين حرصوا على تنظيمها.
ويرى بعض المؤرخين أن الفقيه المعروف الإمام الليث بن سعد أول من أقام موائد الرحمن في مصر، بينما يرى آخرون أن فكرة موائد الرحمن ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان أيام الفاطميين.

“الليث بن سعد”

ويرى بعض المؤرخين أن البداية الأولى لموائد الرحمن في مصر تعود إلى الليث بن سعد وهو الفقيه المعروف وكان لديه الكثير من الأموال وعرف عنه الجود والكرم حيث كان يقيم موائد الرحمن خلال شهر رمضان ويوفر لها المال وأشهى الأطعمة والحلوى ومنها الهريسة والتي عرفت بـ ” هريسة الليث”.
ويقول الدكتور خلف عبدالعظيم الميري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس “إن موائد الرحمن طالما أنها إسلامية فهي أشد ما تكون اقترانا بشهر رمضان الكريم، إذن لابد وأن يكون أساسها مستمدا من القرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم تطورت تباعا وفق ظروف الزمان والمكان تبعا للبيئات الإسلامية المختلفة”.
وأضاف الميري – في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط – أن موائد الرحمن أمر بأعمال البر والخير والصدقات للفقراء والمساكين وعابري السبيل، ويتسع المفهوم بالممارسة وصولا إلى ضيافة عباد الله وإكرامهم ابتغاء الثواب واعتبار هؤلاء الضيوف، هم بالأساس ضيوف الرحمن.
وفيما يتعلق بتاريخ موائد الرحمن في مصر، ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر أن الكثيرين يرجحون أن الفقيه المعروف الإمام الليث بن سعد (94-175هـ/713-791م) الذي كان لديه كثير من الأموال وعرف عنه الجود والكرم هو أول من أقام موائد الرحمن خلال شهر رمضان في مصر وكان ينفق عليها المال الكثير ويوفر لها أشهى الأطعمة، وأيضا صنوف من الحلويات ومنها نوع من الهريسة عرف باسمه “هريسة الليث”.

“أحمد بن طولون”

ويقول الدكتور خلف عبدالعظيم الميري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس “على الصعيد الرسمي للدولة فيقرنها البعض في مصر بالدولة الطولونية وإن مؤسسها أحمد بن طولون (254-270هـ/868-884م) أقام في أول حكمه مأدبة لكبار رجال الدولة والتجار والأمراء في أول شهر رمضان، وهي لا يمكن اعتبارها مائدة الرحمن بالمعنى المفهوم، ولكنها ضيافة واحتفاء وتقدير لكبار مسئوليه، واستمر ذلك لمدة ثلاث سنوات؛ ولكنه في السنة الرابعة من حكمه أقام مائدة كبيرة دعا فيها الأمراء والتجار والأعيان وكبار رجال الدولة وكان ذلك في أول أيام شهر رمضان وألقى فيهم خطابا”.
وأوضح أن تلك الموائد توالت في عهد الدولة الإخشيدية، مرورا بالدولة الفاطمية التي اتسعت إبانها هذه الموائد، وكان المعز لدين الله الفاطمي (358- 365هـ/ 969-975 م) أول الخلفاء الفاطميين في مصر الذي أقام مائدة في شهر رمضان لكي يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص، وكان يعد موائد ضخمة فكان يخرج من قصره 1100 قدر (صحن) بها جميع ألوان الطعام لكي توزع على الفقراء والمساكين والصائمين، ويشير البعض إلى أن المعز لدين الله الفاطمي هو أول من وضع تقليد للمآدب الخيرية التي تستهدف الفقراء والمساكين وأبناء السبيل.
وكشف الميري استمرار هذا التقليد بعد ثورة يوليو 1952 ولكن في صور أخرى، حيث توقفت الموائد الرمضانية في ساحات قصر عابدين، ولكنها استمرت بجوار الأزهر الشريف، واتسعت خاصة بعد تأسيس بنك ناصر الاجتماعي في عام 1967 ورعايته لها، وانتشرت موائد الرحمن بعد ذلك في سائر أحياء القاهرة الكبرى والأقاليم.
وقال إن الأغنياء ظلوا يتسابقون إلى هذه الموائد كل عام، ويعدون لها العدة حتى تطورت ووصلت لوقتنا هذا، حيث يعدون موائد الرحمن لكل المحتاجين وعابري السبيل وتطورت إلى أن أصبحت في بعضها وجبات جاهزة مغلفة، وأحيانا أخرى لا تقتصر على وجودها في الساحات، وإنما قد يتم إرسال الإفطار إلى المحتاجين.
وأوضح أن المشاركة المجتمعية بدأت في احتفالية تضامنية كبرى بين مختلف أبناء الحي من موسرين وأغنياء جنبا إلى جنب مع الفقراء يتناولون الطعام معا، ليس هذا فحسب، وإنما يشارك بعض الإخوة المسيحيين في تنظيم بعض هذه الموائد كنوع من المشاركة والوحدة الوطنية لأبناء الوطن الواحد.

ولائم الحكام وكبار رجال الدولة

من جانبه، يرى خبير الآثار الدكتور عبدالرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة – في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط – أن فكرة موائد الرحمن ترجع إلى الولائم التي كان يقيمها الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان في عهد الفاطميين وكان يطلق عليها “سماط الخليفة”، وموائد الرحمن، وكان القائمون على قصر الخليفة الفاطمي يوفرون مخزونا كبيرا من السكر والدقيق لصناعة حلوى رمضان مثل الكنافة والقطايف وغيرها.
وتوقف ريحان أمام “دار الفطرة” والتي كانت مهمتها إعداد الكعك وما شابه لتوزيعه في رمضان والعيد، وتعد بالقناطير لتوزع على جموع المصريين في القاهرة، كما كان يحرص الخليفة على إقامة مائدة إفطار رمضان تسمى “سماط”.
وأوضح ريحان أن الأسمطة (جمع سماط) الرسمية التي كان يحضرها الخليفة الفاطمي بنفسه كانت متعددة فكان “السماط” يعقد في قاعة الذهب بالقصر الشرقي الكبير في ليالي رمضان، وفي العيدين والمولد النبوي وخمسة موالد، هى مولد سيدنا الحسين والسيدة فاطمة والإمام علي والحسن والإمام الحاضر، بالإضافة إلى “سماط الحزن” في يوم عاشوراء.
وقال “إذا جاء اليوم الرابع من شهر رمضان يقام السماط كل ليلة بقاعة الذهب إلى السادس والعشرين منه ويستدعى له قاضي القضاة توقيرا له، ويحضر الوزير فيجلس في صدر السماط فإن تأخر كان ولده أو أخوه وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب”.

إقرأ المزيد :

مصر .. ارتفاع طفيف في أسعار الذهب ثاني أيام شهر رمضان المبارك 

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »