أخبار عاجلةالرأي

الدكتور محمود أحمد فراج يكتب : مستقبل الاستثمار في أفريقيا .. بين الفرص الواعدة والتحديات الجيوسياسية

تُمثل أفريقيا ساحة تنافس جيو-سياسي واقتصادي بين القوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، في ظل ما تتمتع به من ثروات طبيعية وموارد بشرية هائلة. ومع تزايد الاهتمام العالمي بالقارة، تبرز فرص استثمارية واعدة، لكنها تواجه تحديات معقدة مرتبطة بالصراعات السياسية الداخلية والتدخلات الخارجية. يستعرض هذا المقال أبرز الفرص والتحديات التي تحكم مسار الاستثمار في أفريقيا اليوم.

أولا : الفرص الاستثمارية في أفريقيا

 أ.  الثروات الطبيعية والموارد الاستراتيجية

تتمتع أفريقيا بـ 30% من احتياطيات العالم من المعادن، بما في ذلك الكوبالت (50% من الإنتاج العالمي في الكونغو الديمقراطية) والبلاتين والذهب، بالإضافة إلى 12% من احتياطيات النفط العالمية . كما تُعد القارة موطناً لـ 65% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة، مما يجعلها “سلة الغذاء المستقبلية” للعالم .

ب. الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة

مع التحول العالمي نحو الاستدامة، تشهد أفريقيا طفرة في استثمارات الطاقة المتجددة. زاد البنك الأفريقي للتنمية تمويله للاقتصاد الأخضر من 9٪ عام 2016 إلى 45%عام 2022، مع تركيز على مشاريع الطاقة الشمسية والكهرومائية . كما تُعتبر أفريقيا مصدراً رئيسياً لليورانيوم المستخدم في الطاقة النووية النظيفة .

 ج. النمو الديموغرافي والأسواق الاستهلاكية

من المتوقع أن يصل عدد سكان أفريقيا إلى 2.5 مليار نسمة بحلول 2050، مع وجود شريحة شبابية كبيرة تشكل قوة عمل واستهلاك محتملة . هذا يخلق فرصاً في قطاعات مثل التكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية، خاصة مع انتشار الهواتف المحمولة بنسبة 78%.

ثانياً التحديات الرئيسية

١- الصراعات السياسية والأمنية

تعاني مناطق مثل الساحل الأفريقي والكونغو الديمقراطية من نزاعات مسلحة وتدخلات عسكرية خارجية، مثل مجموعة “فاغنر” الروسية (المُعاد تسميتها إلى “الفيلق الأفريقي”)، مما يُعزز عدم الاستقرار ويُرهن الموارد . كما أن 65% من النزاعات المسلحة في العالم تقع في أفريقيا، وفقاً لتقرير المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية .

 ٢- الفساد وضعف الحوكمة

تشير تقارير إلى أن 195 مليار دولار سنوياً تُفقد بسبب التدفقات المالية غير المشروعة، مثل التعدين غير القانوني وقطع الأشجار . كما أن ضعف استقلالية القضاء وانتشار الفساد الإداري يقوضان ثقة المستثمرين، خاصة في دول مثل السودان وجنوب السودان .

 ٣- التنافس الجيو-سياسي والتبعية الاقتصادية

 

تتنافس القوى الكبرى على النفوذ عبر استثمارات مُوجَّهة:

الصين تستثمر في البنية التحتية كجزء من مبادرة “الحزام والطريق”، مع تركيز على استخراج المعادن .

الولايات المتحدة: تعزز شراكات في مجال الطاقة النظيفة مع دول مثل أنغولا والكونغو .

روسيا: تعتمد على المجموعات شبه العسكرية لضمان ولاء النخب الحاكمة مقابل امتيازات في قطاع التعدين .

هذا التنافس قد يُعمّق التبعية الاقتصادية لأفريقيا إذا لم تُدار الشراكات بموازنة المصالح.

ثالثاً تأثير الصراع الدولي على الاستثمار

أ. المخاطر الأمنية والتدخلات العسكرية

أدت الحروب الأهلية في بعض الدول إلى انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 16% عام 2020، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة . كما أن الوجود العسكري الروسي في الساحل يُثير مخاوف من تصاعد العنف وتهديد مشاريع البنية التحتية .

 ب. العقوبات الدولية وتقلب السياسات

تتعرض دول مثل إريتريا وجنوب السودان لعقوبات غربية تُحدّ من تدفق الاستثمارات، بينما تبحث حكومات أفريقية عن شركاء جدد مثل إيران وتركيا لتعويض العزلة .

 ج. التحديات اللوجستية والبنية التحتية

تعاني أفريقيا من فجوة في البنية التحتية تُقدَّر تكلفتها بـ 130-170 مليار دولار سنوياً، وفق البنك الدولي. هذا يُعيق نقل البضائع ويزيد تكاليف الاستثمار، خاصة في المناطق النائية الغنية بالموارد .

رابعاً سيناريوهات مستقبلية واستراتيجيات للتغلب على التحديات

 أ. تعزيز التكامل الإقليمي

مشروع “منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية” (AfCFTA) يهدف إلى زيادة التبادل التجاري البيني بنسبة 52% بحلول 2035، لكن نجاحه يتطلب معالجة العوائق البيروقراطية وتحسين البنية التحتية.

ب. الاستثمار في رأس المال البشري

تحتاج أفريقيا إلى استثمار 40 مليار دولار سنوياً في التعليم لمواكبة النمو الديموغرافي، وفقاً لليونسكو. دول مثل رواندا وجنوب أفريقيا نجحت في تحسين مؤشرات التنمية البشرية عبر برامج تدريبية مدعومة من القطاع الخاص .

 ج. الشراكات الدولية المتوازنة

ينبغي لأفريقيا تفعيل آليات مثل “اتفاقية الميناماتا” لمكافحة التعدين غير القانوني، والتفاوض على عقود استثمارية تضمن نقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل محلية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام .

وأخيراً

رغم التحديات الهائلة، تظل أفريقيا قارة المستقبل بامتياز. نجاح الاستثمار فيها مرهون بتحقيق التوازن بين استغلال الموارد وضمان الاستقرار السياسي، وبين جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على السيادة الوطنية. يتطلب ذلك إرادة سياسية محلية فاعلة، ودعماً دولياً عادلاً يضع مصالح الشعوب الأفريقية في صلب أولوياته.

اقرأ المزيد

مصر تؤكد دعمها للمؤسسات الوطنية السودانية وجهودها لاستعادة الاستقرار في السودان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »