الدكتور محمود أحمد فراج يكتب: جمارك ترامب وأفريقيا .. نهاية حقبة التجارة الحرة؟

أثارت القرارات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من الواردات، بما في ذلك تلك القادمة من الدول الأفريقية، قلقًا واسع النطاق وتساؤلات حول تأثيرها المحتمل على اقتصادات القارة وعلاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل شامل لهذه القرارات وتداعياتها المحتملة على أفريقيا.
ملخص القرارات الجمركية:
في مطلع شهر أبريل 2025، أعلن الرئيس ترامب عن فرض رسوم جمركية جديدة تحت ذريعة “المعاملة بالمثل” التجارية و”الأمن القومي الاقتصادي”. شملت هذه الإجراءات فرض حد أدنى بنسبة 10% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رسوم أعلى بشكل انتقائي على دول يعتبرها الرئيس الأمريكي ذات فائض تجاري كبير مع الولايات المتحدة أو تفرض تعريفات جمركية عالية على السلع الأمريكية.
وقد تفاوتت نسب الرسوم الإضافية المفروضة على الدول الأفريقية بشكل كبير، حيث وصلت إلى 50% على واردات ليسوتو، و40% على موريشيوس، و37% على بوتسوانا، و30% على كل من جنوب أفريقيا والجزائر وليبيا. بينما فرضت نسب أقل على دول أخرى مثل مصر وكينيا وتنزانيا (10%).
التأثيرات المحتملة على الاقتصادات الأفريقية:
من المتوقع أن يكون لقرارات رفع الجمارك الأمريكية تداعيات سلبية متعددة على الدول الأفريقية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
• تراجع القدرة التنافسية للصادرات الأفريقية: ستؤدي الرسوم الجمركية المرتفعة إلى زيادة تكلفة السلع الأفريقية المصدرة إلى الولايات المتحدة، مما يقلل من قدرتها على المنافسة مع المنتجات المحلية أو الواردة من دول أخرى ذات رسوم أقل. هذا قد يؤدي إلى انخفاض حجم الصادرات الأفريقية وفقدان حصص سوقية مهمة.
• إلغاء فعلي لمزايا اتفاقية أغوا (AGOA): تعتبر اتفاقية النمو والفرص الأفريقية (AGOA) حجر الزاوية في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا، حيث تمنح العديد من الدول الأفريقية إمكانية الوصول إلى السوق الأمريكية بدون رسوم جمركية لآلاف المنتجات. من شأن الرسوم الجمركية الجديدة أن تقوض بشكل كبير هذه المزايا، مما يجعل الاتفاقية أقل جاذبية وفعالية في تحقيق أهدافها التنموية.
• تضرر القطاعات التصديرية الرئيسية: ستتأثر القطاعات الأفريقية التي تعتمد بشكل كبير على التصدير إلى الولايات المتحدة بشكل خاص. على سبيل المثال، من المتوقع أن يشهد قطاع النسيج والملابس في ليسوتو ومدغشقر تراجعًا كبيرًا بسبب الرسوم المرتفعة. كما أن قطاعات أخرى مثل الزراعة والتعدين قد تواجه صعوبات مماثلة.
• زيادة تكاليف المستهلكين في الولايات المتحدة: على الرغم من أن الهدف المعلن للرسوم الجمركية هو حماية الصناعات الأمريكية، إلا أن الزيادة في تكلفة الواردات ستؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع للمستهلكين الأمريكيين.
• احتمالية تحول الشركاء التجاريين: قد تدفع الرسوم الجمركية الأفريقية إلى البحث عن أسواق بديلة لصادراتها، مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي أو حتى تعزيز التجارة البينية الأفريقية. وقد يؤدي ذلك إلى تغيير في الخريطة التجارية للقارة.
• تأثيرات على الاستثمار الأجنبي المباشر: قد تؤدي حالة عدم اليقين الناتجة عن التغييرات المفاجئة في السياسات التجارية الأمريكية إلى تثبيط الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الأفريقية الموجهة للتصدير إلى الولايات المتحدة.
• مخاوف من إجراءات انتقامية: قد ترد بعض الدول الأفريقية بفرض رسوم جمركية مماثلة على الواردات الأمريكية، مما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية وخلق حلقة مفرغة من الإجراءات الحمائية.
تحليل دوافع القرارات وتأثيرها الجيوسياسي:
يرى الرئيس ترامب أن هذه الرسوم الجمركية ضرورية لمعالجة ما يعتبره ممارسات تجارية غير عادلة من قبل الدول الأخرى وحماية الصناعات الأمريكية وتقليل العجز التجاري. كما يرى أن هذه الإجراءات ستشجع الشركات الأمريكية على إعادة توطين عمليات الإنتاج داخل الولايات المتحدة.
ومع ذلك، يرى العديد من الاقتصاديين أن هذه السياسات الحمائية ستضر بالاقتصاد الأمريكي نفسه من خلال رفع الأسعار وتقليل المنافسة. وعلى الصعيد الجيوسياسي، قد تؤدي هذه القرارات إلى توتر العلاقات مع الشركاء التجاريين التقليديين للولايات المتحدة وتقويض النظام التجاري العالمي القائم على قواعد.
بالنسبة لأفريقيا، قد يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها تراجع عن الالتزامات الأمريكية تجاه دعم التنمية الاقتصادية في القارة. كما أنها قد تعزز نفوذ قوى أخرى مثل الصين، التي تسعى بشكل متزايد إلى تعزيز علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الدول الأفريقية.
“تأثيرات على التنمية الاقتصادية في أفريقيا”:
“يتجاوز تأثير رفع الرسوم الجمركية الأمريكية مجرد الأرقام التجارية قصيرة الأجل، حيث يحمل في طياته تداعيات عميقة على مسار التنمية الاقتصادية في القارة الأفريقية. تعتمد العديد من الدول الأفريقية على الصادرات كأحد المحركات الرئيسية للنمو وخلق فرص العمل. من شأن تقويض هذه الصادرات أن يعيق جهود الحد من الفقر وتحسين مستويات المعيشة. كما أن التنمية الاقتصادية المستدامة في أفريقيا تتطلب تنويع الهياكل الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على قطاعات قليلة. تعمل الرسوم الجمركية على تثبيط الاستثمار في القطاعات التصديرية الجديدة وتقلل من الحوافز لتطوير سلاسل القيمة المضافة، مما يعيق عملية التنويع. علاوة على ذلك، فإن اتفاقية أغوا كانت تمثل أداة مهمة لدعم التنمية من خلال توفير فرص تجارية تفضيلية. إن إضعاف هذه الاتفاقية يقلل من قدرة الدول الأفريقية على الاستفادة من التجارة كقوة دافعة للتنمية، ويؤثر سلبًا على جهود تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة في القارة.”
خلاصة:
تمثل قرارات الرئيس ترامب برفع الرسوم الجمركية على الواردات الأفريقية تحديًا كبيرًا للاقتصادات الأفريقية وعلاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة. من المتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تراجع القدرة التنافسية للصادرات الأفريقية .
* الدكتور محمود أحمد فراج .. خبير في الشئون الإفريقية .. دكتوراه كلية الدراسات الأفريقية العليا جامعة القاهرة .
اقرأ المزيد
مصر تؤكد دعمها للمؤسسات الوطنية السودانية وجهودها لاستعادة الاستقرار في السودان